محمد عبد الله دراز
312
دستور الأخلاق في القرآن
كان نائما . إنّ الإرادة ليست نتيجة مباشرة لتكوّن الأفكار إلّا في حالة وحيدة ، هي على وجه التّحديد حين لا توجد « مسؤولية » ، ولا « حرية » ، وتلك هي حالة الاضطراب العقلي ، الّتي ما تكاد تظهر فيها فكرة وحيدة ، تسبق غيرها ، حتّى تقتحم الطّريق على الملكات الأخرى ، وهو ما يكفيي لتحريك نشاطها الضّروري لتحقيق هذه الفكرة ، بطريقة الفعل المنعكس ، دون أن تترك لها وقتا تكبح فيه جماحها . أمّا في الحالات العادة السّوية الّتي تزعم النّظريات الحتمية أنّها تقوم عليها - فإنّ هناك دائما مسافة بين فعل الطّبيعة ، ورد فعلنا الإرادي عليه ، وتبدو هذه الفترة ضرورية - أوّلا - لأنّ الموجود ليس فكرة وحيدة ، بل فكرتان متضادتان ، تعرضان لاختيارنا ، وتطلبان حقهما في أن تتحولا إلى واقع . ولقد يحدث تارة أن تكون الأهمية الّتي نعلقها على عرضهما متساوية تقريبا ، بما أننا نجد بعد التّدقيق أنّ النّقص في جانب تعوضه الزّيادة في الجانب الآخر ، وهكذا يتضح توازنهما على مسرح الضّمير ، وغالبا ما تتجدد عودتنا إلى نفس نقطة التّفكير ، ومعاودة النّفس . وعلى هذا النّحو نظل مترددين للحظة في اختيارنا بين مشروع جميل جدا ، قليل التّكاليف ، ولكنه هش ، ومشروع آخر أقل جمالا ، وفادح التّكاليف ، ولكنه متين . وهذا الموقف المتحير القلق يصيبنا ، عندما يطلب منا أن نختار بين عمل أكثر فائدة ، ولياقة ، وآخر أكثر فضلا ، وأعظم ثوابا . ولقد يحدث تارة أخرى أن يبدو أحد الحلين في صورة أفضل ، وأعظم تقبلا